جلال الدين أكبر

ثالث سلاطين دولة المغول الهندية

السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم سُلطانُ الإسلام وكَافِت الأَنَام وَصَاحِب الزَّمان أَبُو الفَتح جَلَالُ الدِّين مُحمَّد أَكبَر پادشاه غازي بن مُحمَّد همايون بن مُحمَّد بابُر الگوركاني (7 رجب 949هـ - 30 جُمادى الأولى 1014هـ المُوافق فيه 15 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1542م - 13 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1605م) المعروف اختصارًا بِجلال الدين أكبر أو أكبر الكبير أو أكبر الأعظم، هو ثالث سلاطين دولة المغول الهندية الذين حكموا شبه القارة الهندية طيلة 300 عام، وقد حكم البلاد من سنة 963هـ المُوافقة لِسنة 1556م إلى سنة 1014هـ المُوافقة لِسنة 1605م. وُلد أكبر سنة 949هـ المُوافقة لِسنة 1542م لِلسُلطان نصير الدين همايون وحميدة بانو بيگم، وتولَّى بعد وفاة أبيه وهو في الثالثة عشرة من عُمره، تحت إشراف ووصاية أتابكه بيرم خان، ولم يحكم البلاد فعليًّا إلَّا سنة 1562م، بعد أن قضى على مُربِّيه الذي تلاعب به خِلال سنيّ حداثته. يُعدُّ أكبر أعظم مُلُوك الهند في العصر الوسيط على الإطلاق، فقد حكم حوالي خمسين عامًا، أسهم خلالها بِجُهُوده الكبيرة في نهضة البلاد، وجعل الدولة المغوليَّة الهنديَّة إحدى أفضل وأقوى الدُول في العالم آنذاك. كان مُنفتحًا سياسيًّا ودينيًّا، بعيد النظر، وأضاف فصلًا جديدًا في تاريخ الهند. كما أوتي من القُوَّة البدنيَّة وقُوَّة الاحتمال، ومن النشاط والشجاعة الشيء الكثير بِحيث أصبح مفزعة الشرق كُلِّه.

جلال الدين أكبر
(1542 - 1605)

جلال الدين أكبر
جلال الدين أكبر
طالع أيضاً...

السيرة في ويكيبيديا

وسائط متعددة في كومنز

صُنِّف من بين أعظم الفاتحين في تاريخ الهند والعالم الإسلامي، وعدَّه المُؤرِّخون الهُنُود أعظم عاهلٍ عرفته الهند مُنذُ أيَّام أشوكا، حامي البُوذيَّة ومُوحِّد الهند، ووضعوه في مصاف أعاظم المُلُوك الذين عرفهم العالم في عصره. تمتَّعت الهند باقتصادٍ متينٍ قويٍّ في عهد أكبر، وعرفت حياةً ثقافيَّةً مُزدهرةً ونشطة كان أكبر راعيها، وعلى الرُغم من كونه أُميًّا، إلَّا أنَّهُ أسَّس مكتبةً ضخمةً ضمَّت حوالي 24,000 مُجلَّد بِاللُغات السنسكريتيَّة والفارسيَّة والعربيَّة والروميَّة واللاتينيَّة والكشميريَّة، وعهد بإدارتها إلى عشرات المُؤلِّفين والمُترجمين والفنَّانين والخطَّاطين، كما أنشأ مكتبةً خاصَّة بِالنساء في مدينة فاتح پور، وأنشأ المدارس في طول البلاد وعرضها لِتعليم المُسلمين والهندوس. كان أكبر مُسلمًا سُنيًّا في بداية حياته، ثُمَّ ابتكر دينًا جديدًا سمَّاه الدين الإلٰهي، وهو عبارة عن مزيجٍ من المُعتقدات الإسلاميَّة والهندوسيَّة وبعض المسيحيَّة والمجوسيَّة، وأمر حاشيته وأتباعه باعتناقه، ويُحتمل أنَّ ما حمله على ذلك كان التناقضات الدينيَّة الكبيرة الموجودة بِالهند ورغبته بِلم شمل شعبه تحت رايةٍ دينيَّةٍ واحدة، على أنَّ أغلب الناس التي اعتنقت الدين الجديد عادت ونبذته بِمُجرَّد وفاة أكبر.

كان أكبر أُميًّا يجهل القراءة والكتابة، وعلى الرُغم من ذلك فإنَّهُ استمع إلى قصص وحكاياتٍ كثيرة، وأُوتي ذاكرةً هائلة، فكان يحفظ جيدًا أسماء شُعراء الإسلام ومُؤرِّخيهم، كما ألمَّ بِتعاليم الإنجيل والعقائد الرئيسيَّة في الديانة المسيحيَّة، ومبادئ الهندوسيَّة والمجوسيَّة، وكان يُجادل ويُناقش عن معرفة، بِدقَّة واستبانة. عُرف بِذكائه الفطري الواسع وبِمنطقه السليم، ونظر إلى الأُمُور من فوق، لكنَّ روح البداوة بقيت مُجيَّشة فيه. أدرك جيدًا ما فات أبيه همايون وجدِّه بابُر، وكانت لهُ نظرة شاملة وفكرة عالية عن السياسة والدولة، ووقف على الظُرُوف التي تمَّت فيها الغلبة لِلمغول وساعدت على ترسيخ دولتهم.

قيل عنه

عدل
  • أحمد محمود الساداتي.[1]
... كانت السياسة هي دينه، ووحدة أهل الهند تحت سلطانه هي عقيدته.
  • محمد سهيل طقوش، مؤرخ لبناني.[2]
وإذا كنا نأسف لهذا التحول الديني الخارج عن الإسلام ومبادئه، بل الهادم له، والذي يدل على الخطأ الكبير الذي ارتكبه أكبر، والزلل الذي أوقع فيه نفسه حيث لا يمكن اعتباره مسلمًا بعد عام (987هـ/1579م)، وهو العام الذي أعلن فيه الدين الإلهي، إلا أن ذلك لا يمنعنا من تقديره كملك وسياسي عظيم، هو فخر الملوك المغول أو ملوك الشرق، في عظمته وقدرته حكام قوي، شهدت الهند في أيامه عهدًا آمنًا ومستقرًا ومزدهرًا، فكريًا وعلميًا، وغنيًا بموارده وتجارته قلما شهدته في عصر من العصور.
  • عبد القادر البدايوني، مؤرخ هندي مسلم معاصر لأكبر.[3]
إن الإسلام بهذا قد هدمت أركانه، وأنقض بنيانه، ولم يمض غير خمس أو ست سنوات حتى انقلب كل شيء رأسًا على عقب، ولم يبق في نفس أكبر أثر ضئيل من دينه القديم الإسلام، بل لقد أبدى مظاهر العداء الشديد للدين الذي آمن به في شبابه، والذي آمن به أسلافه من قبل.
  • مسعود عالم الندوي، مؤرخ باكستاني.[4]
قد عرفت مما تقدم أن معظم ملوك المسلمين في الهند قد اعتنوا بدعوة الإسلام اعتناءهم بتوطيد دعائم ممالكهم، ومن ثم نرى أن الذين أسلموا من المشركين وعبدة الأوثان على يد الصوفية والوعاظ بقيت عقائدهم ممتزجة بمعتقدات البراهمة وشعائرهم، وما زالت الحال كذلك حتى تبوأ عرش المملكة أكبر بن همايون بن بابر سنة 964هـ، بعد وفاة أبيه فانقلبت الأرض ظهرًا لبطن، وتنكرت وجوه الأعيان والأمراء للدين الحنيف، وطمة سيل الإلحاد، وطغى ونجم قرن الفتنة وطال، فكانت فتنة عمياء، وداهية دهواء، ذهبت بكثير من العلماء والمشايخ في سيلها الجراف، وذلك أن الملوك الذين مضوا قبل أكبر ما كانوا ينصبون العداء للدين الحنيف، إن لم يكونوا من أنصاره، لكن عصر هذا الملك -أكبر- قد تفرد باضطهاد الإسلام، والتضييق على المسلمين، واختلاق بدع ومنكرات شنيعة وانتحالها على الدين المبين، ومن الغريب أن المؤرخين يسمون عصر هذا الملك المغرور بالعصر الذهبي، وما أجدره أن يسمى عصر الضلالة؛ لأن موطن المدح عندهم هو الضعف الخلقي والانحلال الديني.
  • عبد العزيز سليمان نوار، مُؤرخ مصري.[5]

يمكن تقسيم تاريخ أكبر من الناحية المذهبية إلى ثلاثة فترات:

  • الفترة الأولى: منذ اعتلائه العرش حتى 1578م - كان مسلمًا سنيًا يؤدي الفرائض، وينشر الدين الإسلامي ومتحمسًا في بناء المساجد، ومن روائع مساجده مسجد "بلند دروزو".
  • الفترة الثانية: بين 1578م إلى 1601م وتتميز بمحاولته الانطلاق في أجواء الفلسفات الإلهية، وانتهى به الأمر إلى إعلان "المذهب الإلهي".
  • الفترة الثالثة: تمتد من 1601م - 1605م فكانت فترة من القلق النفسي والأزمات العاطفية، فقد خلالها ابنه الأصغر وأمه الحنون، وإعز أصدقائه وخلصائه أبا الفضل، وخلالها ثار عليه ابنه سليم، وخلال هذه الفترة أيضًا غادر إلى الأبد عاصمته الرائعة "فتحبور"، وأغلب الظن أن هذه الأزمات النفسية الشديدة التي صاحبت ثورة ابنه سليم عليه هي التي أعادت أكبر إلى حظيرة الدين الإسلامي، فتوفي في 1605 وهو يحاول أن ينطق باسم الله سبحانه وتعالى.
  • عبد المنعم النمر، مؤرخ مصري.[6]
وأعتقد أن القارئ بعدما عرف كل هذا عن أكبر لا يشك في أنه انسلخ عن الإسلام، وأصبح تائهًا شريدًا بين الأديان لا يستقر على دين، ذلك حكم لا يحتاج إلى جدال؟ ولا أدري كيف برر بعض العلماء الذي وقفوا بجانبه سلوكه المخالف للإسلام، وعلى أي أساس إسلامي آزروه وعاونوه؟! إن للمؤرخين الذي اتهموا رؤوس هذه الحركة بالزندقة والإلحاد كل العذر في هذا الاتهام، فما كان لمسلم أن يقر مثل هذه التصرفات، فما بالك بعلماء كانوا سند لها، وفي مقدمتهم كما سبق: الشيخ مبارك بن خضر وولداه.
  • أبو الحسن الندوي، عالم هندي مسلم.[7]
يقال: إن ما سجله جهانكير في "توزك" الصغير من أحوال الملك أكبر عند وفاته، يدل على أنه شعر عند دنوا الأجل بأنه على خطأ وضلال، فجدد إيمانه بتلفظه بكلمة التوحيد، وأسلم روحه لبارئها في هالة من القراء الذي كانوا يقرؤون سورة يس، ويدعون له، وليس لنا أن نحكم على ما كان بينه وبين الله وهل أدركه اللطف الإلهي أم لا؟ وأنه على أي حال ودع هذه الدنيا، إنما نحن بصدد إجراءاته وأعماله التي اتخذها لتنفيذ القانون الجديد والدين الجديد، والنتائج والآثار التي ترتبت من ذلك على الإسلام والمسلمين.
  • عبد الحليم محمود، مؤرخ مصري.[8]
الأمبراطور جلال الدين محمد ، يحرص على مبدأ أنه (لا اختلاف بيننا بسبب العقيدة )، ويقول بأنه مسلم حنفي يحترم كل الأديان ،فاستهجن المتشددين والمتزمتين ما قاله ، وجعلوه ناقص دين ، وألبسوه لباس الردة ، وقالوا بأنه السبب في تنفذ الأنجليز في الهند ،و هو وراء انتشار المسيحية بها ، بالرغم من أنه حارب الأنجليز ، وبسط نفوذه كسلطان مسلم لأول مرة على كامل شبه جزيرة الدكن، قد تكون له عيوب وأخطاء ، إلا أنه من الوجهة السياسية لا يختلف عن باقي سلاطين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ولكن تاريخه تعرض لعملية تزييف ممنهج من قبل مبغضيه وأذيالهم من المستشرقين وجاراهم في ذلك بعض المعاصرين بدون تحقيق ، والقصد منه ، تشويه سيرة هذا السلطان المسلم وتصويره بالمارق عن الدين ، ويجب أرجاع الأعتبار لهذا البطل المسلم المفترى عليه.
  • عبد الرحمن بدوي، فيلسوف مصري.[9]
الواضح أن "أعمال" جلال الدين أكبر لا تتنافى مع الاسلام في شيء، وقصارى أمرها أنها أمور تنظيمية فرعية لا تمسّ حقيقة الإسلام في شيء، ولا يمكن أبدًا أن يؤاخذ عليها مسلمٌ حتى في ذلك العهد، فضلاً عن أن يُكفّر بها! وإنما تدلّ على أن أفق أكبر الديني كان واسعًا يتجاوز الحدود الضيقة التي يتوهّم بعض المتزمتين ضرورة وضعها للإسلام.
  • عماد الدين خليل، أديب ومؤرخ ومفكر عراقي.[10]
إن جلال الدين أكبر كان رجل دولة بأمتياز وسياسي من الطراز الأول عاش ومات مسلما حنفيا، وأراد أن يتقرب للمزاج العام للشارع الهندي من خلال محاولة للتقريب بين الأديان والملل وجمع علماء الدين من شتى الأديان والمذاهب للجلوس معا على طاولة واحدة للحوار، لا الانسلاخ من عقائدهم وتبرز هنا جدلية الدين والسياسة وعمق أكبر وعبقريته السياسة، إلا أن اعدائه كانوا حريصين على تشويه سمعته وانه ارتد عن الإسلام مما لا يرضاه المنطق والمؤرخ المحقق، حسدًا على تاريخ أكبر الزاخر، وهو هنا يذكرنا بالخليفة المأمون العباسي ومجالسه الفكرية وجرأته في الطرح.

مراجع

عدل
  1. الساداتي، أحمد محمود (1957). تاريخ المُسلمين في شبه القارَّة الهنديَّة وحضارتهم (PDF). الجزء الثاني. القاهرة: مكتبة الآداب. صفحة 143. 
  2. طقُّوش، مُحمَّد سُهيل (1428هـ - 2007م). تاريخ مغول القبيلة الذهبيَّة والهند (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: دار النفائس. صفحة 255. ISBN 9789953184364. 
  3. الشيَّال، جمالُ الدين (1421هـ - 2001م). تاريخ دولة أباطرة المغول الإسلاميَّة في الهند (PDF) (الطبعة الأولى). بورسعيد - مصر: مكتبة الثقافة الدينيَّة. صفحة 115. 
  4. الندوي، مسعود (1370هـ - 1951م). تاريخ الدعوة الإسلاميَّة في الهند (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: دار العربيَّة. صفحة 60 - 63. 
  5. نوَّار، عبدُ العزيز سُليمان (1998). تاريخ الشعوب الإسلاميَّة (PDF). بيروت - لُبنان: دار الفكر العربي. صفحة 519-520. 
  6. النمر، عبد المنعم (1401هـ - 1981م). تاريخ الإسلام في الهند (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: المُؤسسة الجامعيَّة لِلدراسات والنشر والتوزيع. صفحة 291. اطلع عليه بتاريخ 11 تموز (يوليو) 2019م. 
  7. الندوي، أبو الحسن علي الحسني (المتوفى في سنة 1420هـ/1999م)؛ ترجمه عن الأردية: سليمان الحسيني الندوي (1428هـ - 2007م). رجال الفكر والدعوة في الإسلام (PDF). الجُزء الثالث (الطبعة الثالثة). دمشق-بيروت: دار ابن كثير. صفحة 89. 
  8. عبد الحليم محمود (دكتور)، جلال الدين أكبر : المفترى عليه ، مجلة الدراسات الاسلامية ، القاهرة، 1966. ص ١٠٦
  9. خالد محمد عبده ـ ديانة جلال الدين أكبر، مجلة ذوات، 10 يونيو 2016
  10. عماد الدين خليل، ملامح من سيرة السلطان أكبر، المجلة التاريخية العراقية 1977

وصلات خارجيَّة

عدل
  اقرأ عن جلال الدين أكبر. في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
  توجد ملفات عن: جلال الدين أكبر في ويكيميديا كومنز.